الخطيب الشربيني
463
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
حفظت ما قال . وقال القشيري : القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ورد في الخبر : « لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان » « 1 » . وقال الزمخشري : هذه الآية اعتراض ثم قال : وأراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء ، فلا بدّ لمن أحياه من مضارّة لطبعه ومجاهدة لنفسه ا . ه . فالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة ، وذلك أنّ قوله تعالى : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ أي : القيام بعد النوم هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً أي : موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن هي أشدّ مطابق لقوله : قُمِ اللَّيْلَ فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين ، والمعنى : سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولا ثقيلا يثقل حمله ؛ لأنّ الليل للمنام ، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان ، فهو أمر ثقيل على العبد . ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال : وَأَقْوَمُ قِيلًا أي : وأعظم سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب ، لأنّ الأصوات هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه ، وقال قتادة ومجاهد رضي الله عنهم : أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء ، فبين الله تعالى بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأنّ الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب . كان عليّ بن الحسين رضي الله عنه يصلي بين المغرب والعشاء ويقول : هو ناشئة الليل . وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم : هو بدء الليل . وقال في الصحاح : ناشئة الليل أوّل ساعاته ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هي الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك ، قال ابن عربي : وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة ، وقالت عائشة وابن عباس أيضا ومجاهد رضي الله عنهم : إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ناشئة . وقال يمان بن كيسان : هو القيام من آخر الليل . وأما قوله تعالى : أَشَدُّ وَطْئاً أي : أثقل على المصلي من ساعات النهار ، لأنّ الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة ، هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء ، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منوّنة ، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي : وافقت على الأمر من الوفاق تقول : فلان يواطئ اسمه اسمي ، أي : يوافقه ، فالمعنى أشدّ موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال تعالى : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : 37 ] أي : ليوافقوا ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اللهمّ اشدد وطأتك على مضر » « 2 » وقيل : أشدّ
--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في ميزان الاعتدال 7 / 353 ، وروي الحديث بلفظ : « لا إله إلا اللّه تمنع من سخط اللّه » أخرجه بهذا اللفظ الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 277 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 804 ، ومسلم في المساجد حديث 675 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1442 ، والنسائي في التطبيق حديث 1074 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1244 ، والدارمي في الصلاة حديث 1595 .